أحمد ابراهيم الهواري

197

من تاريخ الطب الإسلامي

التي يعز وجودها شيئا كثيرا ، وأقام الفرش واللحف للمرضى ، والأراييح الطيبة والأسرة والثلج والمستحدمين والأطباء والفراشين . وكان فيه ثمانية وعشرون طبيبا ونساء طباخات وبوابون وحراس ، والحمّام ، والبستان إلى جانبه فيه أنواع الثمار والبقول والسّفن على مائه تنقل الضعفاء والفقراء ، والأطباء يتناوبونهم بكرة وعشية ويبيتون عندهم بالنوبة . وكان فيه عدة جباب ( جمع جبّ وهو الخابية ) فيها السكر الطبرزد والأبلوج واللوز والمشمش والخشخاش وسائر الحبوب والبرانى الصينية فيها العقاقير وأربع قواصر فيها الإهليلج الأصفر والكابلي والهندي وأربع قواصر تمر هندى وزنجبيل وعود وندّ ومسك وعنبر والرواند الصيني في البرانى والترياق الفاروقي وجميع الأفاويه وصناديق فيها أكفان وقدور كبار وصغار وآلات وأربعة وعشرون فراشا . وذكر ابن صابى أشياء ما يوجد في دور الخلفاء مثلها . وفي سنة « 1 » 569 ه ( 1173 م ) في رمضان كان الزمان ربيعا فتوالت الأمطار في ديار بكر والجزيرة والموصل فدامت أربعين يوما ، فما رأينا الشمس فيها غير مرتين ( هذا قول ابن الأثير ) كل مرة مقدار لحظة ، وخربت المساكن وغيرها وكثر الهدم ومات تحته كثير من الناس ، وزادت دجلة زيادة عظيمة وكان أكثرها ببغداد ، فإنها زادت على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد بذراع وكسر ، وخاف الناس الغرق وفارقوا البلد وأقاموا على شاطئ دجلة خوفا من انفتاح القورج ( بمعنى السور أو السد ) وغيره ، وكانوا كلما انفتح موضع بادروا بسده ونبع الماء في البلاليع وخرب كثير من الدور ، ودخل الماء إلى المارستان العضدي ودخلت السفن من الشبابيك التي له فإنها كانت قد تقلّعت ، فمّن الله على الناس بنقص الماء بعد أن أشرفوا على الغرق وفي يوم 3 صفر « 2 » سنة 580 ه ( 17 مايو سنة 1184 م ) دخل أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير بغداد سائحا ونزل في محلة منها ، وكل محلة منها مدينة مستقلة . ومعلوم أن محلاتها كلها في الجانب الغربى من نهر دجلة . أما الجانب الشرقي فكانت عمارته محدثة قال : وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان وهي مدينة صغيرة فيها المارستان الشهير ببغداد وهو على دجلة ، وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس ويطالعون أحوال المرضى به ، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه وبين أيديهم قوّمة يتناولون طبخ الأدوية وجميع مرافق المساكن الملوكية والماء يدخل إليه من دجلة .

--> ( 1 ) - ابن الأثير حوادث سنة 569 . ( 2 ) - رحلة ابن جبير ص 225 طبع ليدن .